إبن سهل الطبري
43
فردوس الحكمة في الطب
بعروق دقاق ، وهي تشهي الطعام بحموضتها ، وانما سكنت الصفرا في الشق الأيمن ، لأنه أشرف الشقين وأحرهما وأتمهما ، وكذلك يمين العالم أحر من يساره ، أعني بيمينه التيمن وبيساره الجربيا ، ولو سكنت الصفرا في أعلى البدن كما سكنت النار في أعلى العالم الكبير ليبس الدماغ وبطلت الحركة والحواس ، فربما حدث في الدماغ يبس شديد ، فيحدث منه السهر والوسوسة فكيف لو انقلبت الصفرا اليه بكليتها ، الباب التاسع في علل الحركة الذاتية والإرادية وفي الدماغ والقلب وعلة العصب والعروق ، ان الدماغ ينقسم قسمين وينبت العصب منهما جميعا ويشتبك على جميع أعضاء الجسد ، وفي الدماغ ثلاثة أوعية مقدمه ووسطه ومؤخره ، فاما مقدمه فهو موضع الخطر والتخاييل وفي أوسطه الفكر وفي مؤخره الحفظ ، وعلى الدماغ لباسان ، أحدهما رقيق شبيه بالمشيمة وتركيبه من عروق وأوردة ، فهو يغذو الدماغ بتلك الأوردة ويقيه أيضا والاخر يلي قحف الرأس شبيه بوقاية له يحفظه ، فاما القلب فإنه موضع الحياة والحرارة الغريزة ، ومنة تكون الحركة الذاتية الدائمة التي يشبه بحركة النار الملتهبة في جسم كثير الدسومة ، وتلك الحركة هي النبض ، ولذلك يستدل بالنبض على الصحة والسقم والفرح والحزن والخوف كما انا ذاكره في بابه إن شاء الله ، فاما الدماغ ففيه الحس والحركة الإرادية وفيه محل النفس الناطقة ، وهو أبرد أعضاء البدن كلها وأرطبها ويصعد اليه من القلب عرقان ثم يشعبان عنده ، وانما يسخن بما يرتفع اليه من الحرارة الغريزة التي في القلب فيصير بتلك الحرارة